كنت عائدا إلي فندقي في قلب العاصمة الايطالية روما بعد نهار مليء بالمواعيد والالتزامات قمت خلاله بعمل الترتيبات لحلقة من برنامجي بلا حدود مع المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة " الفاو " الدكتور جاك ضيوف حول أزمة نقص الحبوب والقمح التي تجتاح العالم ،وتأثيرها علي الدول الفقيرة والمستوردة للقمح لاسيما الدول العربية وعلي رأسها مصر أكبر مستورد للقمح في العالم ، لكني فوجئت بطابور طويل ومتعرج لرجال ونساء وأطفال يقفون أمام مبني قريب من الفندق تحت المطر ، استوقفني الطابور وشكله ونوعية الواقفين فيه ، فوقفت ودفعني حب الاستطلاع الذي يلازمني إلي معرفة أسباب هذا الطابور الذي يقف أصحابه حاملين الشماسي تحت المطر.. وأسباب المعاناة التي دفعتهم إلي ذلك ،
وكان الهاجس الذي سيطر علي هو مشهد طوابير الخبز التى شاهدتها قبل أيام معدودة وهي تنتشر بشكل كبير في القاهرة ومن ثم باقي المدن المصرية الأخرى أمام المخابز ربما لساعات من أجل الحصول علي بعض الأرغفة من الخبز المخلوط بالمسامير ونشارة الخشب وأشياء أخري كثيرة تتحدث عنها الصحافة المصرية من خلال ما يجده أصحاب الخبز المدعوم هذا من مخلفات في أرغفة الخبز التي يحصلون عليها بعد عذابات الطوابير والانتظار أمام المخابز ، وقلت في نفسي مستنكرا ومستغربا هل يمكن أن يكون هذا طابورا للخبز أو للباستا ؟ فالايطاليون يأكلون الباستا أكثر مما يأكلون الخبز وأهميتها عندهم مثل أهمية الخبز عندنا ، وقد خرجت مظاهرات فى روما فى الصيف الماضي احتجاجا علي ارتفاع أسعار الباستا بعد ارتفاع أسعار القمح عالميا ، وقلت في نفسي لو صح هذا فإنه سيكون موضوعا مثيرا يستحق الاهتمام . اقتربت من الطابور حتى أتعرف علي تفاصيله لاسيما وأن الليل كان قد أرخي سدوله مما جعل التفاصيل غير مكتملة من بعيد ، فوجدت رجالا ونساء وأطفالا و حتى مقعدين علي كراسي متحركة ، والكل يحمل الشماسي للاحتماء من المطر ، هممت أن أسأل أحدهم ما هذا الطابور ولماذا ؟ لكن شخصا اقترب مني وهو يلاحظ حيرتي وحياني بالايطالية وهو يبتسم " بوناسيرا " ثم قال : " هل يمكن أن أساعدك يا سيدي ؟ " رددت عليه التحية ثم قلت له : " نعم ، أريد أن أعرف لماذا هذا الطابور الطويل والمتعرج الذي دفع هؤلاء للوقوف تحت المطر هل توزعون شيئا هنا ؟ " قال الرجل وهو يبتسم : " إنها حفلة لكونسرتو الأوبرا الايطالية ستبدأ بعد ساعة من الآن وسوف تعزف فيها مجموعة من أفضل الأعمال لكبار الموسيقيين الكلاسيكيين الغربيين ، وهؤلاء جاؤوا مبكرين حتى يأخذوا أماكن متقدمة حينما تفتح أبواب المسرح " قلت له : " إذن هذه حفلة خيرية ، دون تذاكر ولهذا يقف هؤلاء في هذا الطابور الطويل والمتعرج حتى يلحق كل منهم بمكان ؟ " ضحك الرجل ثم قال لي : " لا علي الإطلاق إنها ليست حفلة خيرية ، وإنما بتذاكر وتترواح قيمة التذكرة من ثلاثين إلي عشرين يورو وقد بيعت معظم التذاكر منذ أيام ولم يتبق إلا قليل منها ، ولأن التذاكر ليست مرقمة لأن المسرح مقسم إلي مجموعات من الصفوف فقد جاء هؤلاء مبكرين حتى يلحق كل منهم بالمكان الذي يحب أن يجلس فيه " . شردت لثوان وأنا أفكر فيما أري فقد جئت إلي روما من القاهرة ، وشاهدت في مصر بعض طوابير الخبز المؤلمة التي بدأت تزداد أمام المخابز للذين لا يجدون بدا من الوقوف ربما لساعات من أجل الحصول علي بعض أرغفة الخبز المدعومة ، وقد زاد ألمي حينما ذهبت لتناول الغذاء لدي بعض أقاربي في المنصورة ، ومررت وأنا في طريقي إليهم بأحد المخابز فكان الناس يقفون طابورا أمام مخبز كان من الواضح أنه لا يعمل في هذا الوقت ، وقد تعمدت أن أتأمل الطابور فوجدته يشبه إلي حد بعيد هذا الطابور الذي رأيته في روما من الرجال والنساء والأطفال ومن كل الأعمار لكن الذين يقفون فى طابور روما كانت تبدوا عليهم آثار العز والترف والأناقة بينما الذين كانوا يقفون في طابور الخبز تبدوا عليهم علامات الفقر والفاقة ، وكانت الشكوى وملامح التذمر بادية علي وجوه الجميع ، حتى أن بعضهم كان يقف في الأوحال التي أمام المخبز حيث خلفت الأمطار الغزيرة في مصر أوحالا كالعادة في الأماكن التي ليس فيها صرف صحي في الشوارع ، تألمت لحال هؤلاء الناس الذين كانوا يقفون في طابور الخبز في مصر وذهبت لتناول الغداء وتحدثت مع أقاربي حول تفاقم أزمة طوابير الخبز التي رأيتها في القاهرة والمنصورة ، فأخبروني أن الوضع أصبح مؤلما إلي حد بعيد ، لكن الذي آلمني أكثر أني قضيت لدي أقاربي أكثر من ساعتين وفي طريق عودتي مررت علي نفس المخبز فوجدت نفس الوجوه لا زالت واقفة وبعضهم لازال متعلقا بفتحات الحديد التي يغلق بها صاحب المخبز بابه ، فأدركت من تأملي أن معظم هؤلاء يمكن أن يقفوا ربما لساعات إضافية لأن أحدا منهم لا يستطيع العودة إلي بيته دون الحصول علي الخبز فهناك أطفال صغار جياع ينتظرون رغيف الخبز هذا رغم كل ما فيه وما يقال عن محتوياته وتذكرت قصص كثير من المصريين من عمال اليومية الذين يصل بهم الحال إلي عدم قدرتهم علي العودة أحيانا إلي بيوتهم لأنهم لم يجدوا عملا في هذا اليوم ومن ثم فإن جيوبهم فارغة من المال ولا يستطيعون العودة لأطفالهم و أيديهم فارغة من الخبز أو الطعام الذي يعتمدون عليه يوما بيوم .
أفقت من شرودوي علي الرجل الايطالي وهو يقول لي : " ماذا قلت يا سيدي هل تريد تذكرة لتحضر حفلة الأوبرا الموسيقية الليلة وتأخذ مكانا في الطابور قبل أن يزداد الزحام مع اقتراب افتتاح باب المسرح ؟ " تحيرت في الإجابة ، ورغم أنها لم تكن المرة الأولي التي أجد فيها طوابير تقف أمام دور الأوبرا أو المسارح في الغرب من أجل الحصول علي تذكرة للاستماع إلي الموسيقي ، حتى أن تذاكر احتفالات " البروموناد " التي تقيمها البي بي سي في لندن في شهر أغسطس من كل عام تباع بعض تذاكر حفلاتها وتنتهي قبل أشهر من موعدها ، لكني كنت أحاول أن أعرف وأفهم المزيد عن هذه الثقافة المغايرة للطوابير حول أسباب وقوف الناس في الطابور تحت المطر حتى يستمتعوا بحفلة موسيقية حيث أمنوا علي طعامهم وشرابهم وحياتهم ، ويتحملون قسوة البرد والمطر من أجل الاستمتاع بالموسيقي وليس من أجل الحصول علي بعض أرغفة الخبز كما يحدث في بلادنا ، قلت للرجل " هل يمكن أن أطلع علي برنامج الحفل ؟ " قال : " نعم هاهو ذا " نظرت في البرنامج فوجدته يتكون من قسمين كالعادة
القسم الأول من خمس مقطوعات بعضها لموزارت وروسيني وبوتشيني ، والقسم الثاني من سبع مقطوعات معظمها لفيردي مؤلف أوبرا عايدة الشهيرة لدينا نحن العرب ، نظرت مرة أخري بتأمل إلي الطابور الذي يقف تحت المطر حتى يستمتع بالموسيقي ، بينما صورة طوابير الخبز في مصر لا تفارق مخيلتي وقلت في نفسي إلي أين أوصلت تلك الحكومات شعوبها وإلي أين أوصلتنا تلك الحكومات التي تتعاقب علي حكمنا منذ عشرات السنين وقد فشلت حتى في توفير رغيف الخبز لشعوبها ، إنها نوع من الثقافة يستحق التفكير .. ثقافة الطوابير .
الجزيرة توك الزيارات: 592
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |