|
في الأحوال العادية, يحتاج المترو الباريسيّ إلى ساعةٍ تقريباً لقطع المسافة الفاصلة بين شمال باريس, وجنوبها. بينما لن يمكث المُسافر من باريس إلى بروكسل في القطار السريع (Thalys) أكثر من ساعةٍ, وعشرين دقيقة, هي المدة التي استغرقتها رحلتي لمُتابعة الدورة الحادية عشر ل(مهرجان الفيلم القصير), وتجولت عروضها في مدنٍ بلجيكية أخرى (هرفيه, تورنيه, نامور, مونز, ليّيج).
بالوصول إلى بروكسل, لم أدرك بدايةً إن كنتُ قد غادرت فرنسا فعلاً, فقط تأكدت من ذلك عندما تحولت خدمة تلفوني المحمول من الشركة الفرنسية إلى واحدةٍ بلجيكية, وزاد قليلاً من هذا الإحساس قراءة بعض الكتابات باللغة الفلامنكية. وعندما مررت أمام أحد المُجمّعات السينمائية, تذكرتُ بأن بطاقتي التي تخوّلني دخول معظم صالات السينما في فرنسا, كانت تسمح لي أيضاً بدخول صالات بروكسل .
في تلك المدينة, لم يتغيّر أيّ شئ بالنسبة لي, كنتُ أسمع نفس اللغة الفرنسية, وأشاهد نفس الوجوه المألوفة, ولهذا, تعمّدتُ الإصغاء هنا, وهناك كي أعثر على لهجةٍ, أو لكنةٍ محلية, ولم أستطع تميّيز اختلاف ما كنتُ أسمعه من البلجيكيين, أو المهاجرين عمّا تعودتُ عليه في فرنسا.. مرةً واحدةً فقط, ذكرتني بأنني في بروكسل, والطريف بأنها حدثت قبل دقائق من صعودي قطار العودة إلى باريس, وذلك عندما اشتريتُ قهوة الصباح من إحدى مقاهي المحطة, وطلب مني البائع ثمنها (1.90) يورو, الناطقون بالفرنسية في بلجيكا, وسويسرا يلفظون الأرقام المُركبة بطريقةٍ مختلفة يستعصي فهمها أحياناً. قبل ذلك, وفي المطعم الذي كنت أتناول فيه وجبات العشاء, لم تكن في أصنافه تلك الأكلة الشهيرة (الأصداف البحرية, والبطاطس المقلية), اللذيذة, والمُسلية, ولم أجدها حتى في وجبات الغداء التي كان يحضّرها لنا فريق المهرجان في خيمةٍ قريبةٍ من صالتيّ العرض, بينما كانت أنواع المعكرونة طاغية على اختياراتهم. خلال متابعتي للمهرجان, لم أمتلك الرغبة في أيّ جولةٍ سياحية, على الرغم من امتلاكي وقتاً كافياً (كانت تبدأ العروض في الثانية, وأحياناً في الرابعة من بعد ظهر كلّ يوم), والسبب ببساطة, إحساسي بأنني لم أغادر الحيّ الباريسيّ الذي أقطنُ فيه . خلال الأيام التي قضيتها في بروكسل, وبغرابةٍ, كانت تدور في ذهني تساؤلات عن هذه المملكة الصغيرة (30528 كم2, و10 ملايين, ونصف نسمة), والتي تجمع ناطقين بثلاث لغاتٍ مختلفة (الفرنسية, الفلامنكية, الجرمانية), وكنت أفكر بالأسباب التي منعت/أو تمنع الجزء البلجيكي الناطق بالفرنسية من الانضمام إلى فرنسا ؟ والقسم الناطق بالهولندية إلى هولندة ؟ والناطق بالجرمانية إلى ألمانيا ؟ كيف استطاعت بلجيكا, ومنذ استقلالها(عام 1830) البقاء كما هي على الرغم من اختلافاتها اللغوية, والثقافية(هي تجمع الثقافة اللاتينية, والجرمانية, وتقع جغرافياً على الحدود بينهما), وكيف اقتنع الغرب/أو اتفق على تسويةٍ كهذه ؟ كانت بلجيكا محتلةً من جيرانها الأقوى (إسبانيا, فرنسا, هولندة, النمسا), ومن الطريف بأنها أصبحت فيما بعد دولةً استعماريةً, وذهبت بجيوشها في عام 1908إلى أقاصي أفريقيا, لتستعمر (الكونغو) التي حصلت على استقلالها في عام 1960 ؟ وهنا, لن أخوض في تساؤلاتٍ (بكائية) عن الأسباب (الجهنمية) التي جعلت الدول العربية تتكاثر, بدل تقلصها في اتحادٍ عربيّ قويّ, على الرغم من كلّ المُقومات المٌشتركة بينها (التاريخية, الحضارية, الثقافية, اللغوية, الدينية, الإنسانية, ... وحتى الهزلية), فالبلاد العربية من أكثر البلدان إنتاجاً, وتصديراً للهزل بكافة أنواعه. وللهروب من الإجابة عن هذا السؤال, توجهتُ إلى أحد لقاءات المهرجان لتذوّق البيرة الوطنية (Chimay) التي يتفاخرون بها, تظاهرتُ باحتساء الكثير منها, وتجرأتُ بطرح السؤال على أحد الشبان العاملين في المهرجان : ـ إنها بيرةٌ قوية, ...ولكن, لماذا لم ينضم القسم البلجيكي الناطق باللغة الفرنسية إلى فرنسا ؟ ـ هل تذوقتَ البيرة السمراء, ...ببساطة, لأننا لسنا فرنسيون, نحن بلجيكيون. ـ الحقيقة بأنني لا أفهم في البيرة,... وما هو اختلافكم عن الفرنسيين ؟ ـ هناك(...) صنف من البيرة عندنا,...نحن لدينا ثقافتنا, تاريخنا, عاداتنا, تقاليدنا, وخصوصياتنا. ـ ما هي هذه الاختلافات ؟ ـ خصوصية الهزل البلجيكي مثلاً.. ـ آه, فعلاً....ألا تشعرون بالغربة عندما تتواجدون في القسم الفلامنكي, وبأيّ لغة تتحدثون هناك؟ ـ نتحدث بالفرنسية, والإنكليزية, لقد تعوّدنا على هذا الوضع, وتأقلمنا معه, ولساننا يتأرجح بشكلٍ طبيعيّ بين لغاتٍ متعددة . كنت أتوقع مسبقاً خسارتي في تلك المناقشة, وقبل أن يتبيّن الشاب تخلفي, وضيق أفقي, ومداركي عن استيعاب الوضع البلجيكيّ, ويظنّ بأنني انفصاليّ, حولتُ الحديث مباشرةً إلى موضوعٍ آخر أقلّ جدلاً, وحساسيةً. ـ هل البيرة المُسمّاة(Guiness) بلجيكية ؟ ـ لا,...(Guiness) بيرةٌ إنكليزية, أقصد ايرلندية .... ـ اعذرني, بدأتُ أشعر بالدوار, وهناك عرضٌ لأفلامٍ بلجيكية سوف تبدأ بعد دقائق. طوال إقامتي هناك, كانت تدور في ذهني تلك الخصوصية الرئيسية التي أكدّ عليها ذلك الشاب.....(الهزل). وبمُشاهدة أفلامٍ بلجيكية كثيرة في المهرجان, وفي مهرجاناتٍ كثيرة, يتضح بأنّ فكرة (الهزل) مُتجذرة فعلاً في السينما البلجيكية, الروائية القصيرة منها بشكلٍ خاصّ, ولكنها لا تشبه روح النكتة عند المصريين, هي بالأحرى.... هزلٌ أسود بالإضافة لبرامج متنوعة : أفلام الافتتاح, والختام, ليلة الفيلم القصير, فيديو كليب, أفلامٌ قصيرة لمخرجين كبار, برنامج استعاديّ للمخرج البلجيكي (نيكولا بروفوست), الأفلام الفائزة بجائزة السكة الذهبية في مهرجان كان, الأفلام الأوروبية التي حصلت على جوائز في مهرجانات أخرى, برنامجٌ خاصّ بمهرجان سينمات, وثقافات أمريكا اللاتينية في بياريتز/فرنسا, برنامجٌ خاص بمهرجان الأفلام القصيرة جداً في باريس, أفلامٌ للصغار, والشباب, أفلامٌ قصيرة غريبة Trash, أفلامٌ من البلقان. فقد تضمّنت الدورة الحادية عشر لمهرجان الفيلم القصير في بروكسل مسابقةً دولية (44 فيلماً), وثانيةً وطنية (21 فيلماً). أحدث تلك الأفلام, وأكثرها تجسيداً لفكرة (الهزل), الفيلم القصير (Monpelaar) لمخرجيّه( Marc Roels وWim Reygaert), وفيه يتمحور الحدث الغريب حول شابٍ متعلق بأمه, ولا يعرف من اللغة غير (الهمهمة) ـ عنوان الفيلم نفسه ـ وفي نزهته اليومية, الروتينية, يلتقي بمجموعةٍ من الكشافة الصغار (تخطّت أعمارهم الخمسين عاماً), يقودهم واحدٌ ليس بأقلّ غباءً منهم. مطاردةٌ مثيرةٌ للضحك بين الشاب, والزعيم تنتهي بموتٍ بشع, لنجد أعضاء فريق الكشافة يتبعون الشاب بميكانيكيةٍ بالغة, وعندما يستقبلهم في إحدى غرف منزله, تقدم لهم الأم شراباً مسموماً, أو منوّماً, فيموت الجميع, أو يناموا, وتحتضن الأمّ ابنها بطريقةٍ غريبة تكشف عن علاقةٍ مرضية, لا أدّعي بأنها مُحرّمة. خلف هذا الهزل الواضح, تكشف قراءة ما بين الصور عن سخريةٍ مكثفة, ومرّة لحالةٍ من الاستلاب الذهنيّ إلى حدّ التخلف العقلي, تختلط فيها قشور تعاليم دينية بالميتافيزيقيا. تجسيدٌ معاكسٌ لمفهوم التضحية في الموروث الدينيّ المسيحيّ, عندما ضحى السيد المسيح بحياته إنقاذاً للمؤمنين, وفي مبادرةٍ عبثية, جاء الوقت ليمنح هؤلاء حياتهم مجاناً, ويختصروا الزمن للوصول سريعاً إلى الجنة الموعودة . ولكن, هل أحداث هذا الفيلم, ومحتواه, تجسدا (الهزل) فعلاً ؟ أم يجب الانتقال إلى فيلمٍ آخر لإيجاد ما أحاول استخلاصه ؟ الفيلم القصير (السرطان البحري/السلطعون) لمخرجيه (Christophe Hermans وXavier Seron) يظهر حالة إحباطٍ كلاسيكية يعاني منها المجتمع البلجيكي (والغربيّ بشكلٍ عام) على الرغم من الرفاهية التي يعيشها, فقبل دقائق من ظهوره على المسرح لأداء دوره, يهرب (روبيرتو) الممثل الثلاثينيّ العمر كي يشارك في موكب جنازة والده, وفي إحدى محطات الوقود يلتقي صدفةً برجلٍ آخر معجبٌ به كممثل, ويقترح عليه توصيله إلى منزل عائلته, وفي الطريق يتوقفا بمُحاذاة مكانٍ عالٍ يطلّ على البحر, وقبل أن يكملا طريقهما, يرمي الرجل بنفسه منتحراً, بدوره, يغطي (روبيرتو) جسده بالرمال, ويتوجه نحو البحر ليغوص فيه. لقطاتٌ سريعة (فلاش باك) تظهر بأن (روبيرتو) كان يعيش حياةً هانئةً مع عائلته الإيطالية, قبل ذلك, وفي مشهدٍ عارضٍ, نفهم بأن الرجل المُعجب به كممثلٍ يعيش حالةً من القطيعة مع زوجته دفعته ـ ربما ـ إلى الكآبة, الإحباط, والانتحار. الأعراض مختلفة تماماً بين الاثنين, ولكنهما, وبقرار ثنائيّ, أو فرديّ, تخيّرا الموت نهايةً لحياةٍ لم يرضيّا عنها. عملياً, إذا أحصينا أولئك الغير راضين عن أوضاعهم, فسوف يكون العدد مذهلا,ً فهل الإحساس بعدم الرضى ذريعة قوية, ومقنعة للانتحار ؟ أم هناك أسباب أخرى متجذرة في المجتمعات الغربية تدفع مواطنيها للتخلص من حياتهم ؟ وإذا دققنا في تيمات الأفلام البلجيكية الأخرى بحثاً عن (الهزل) المُفترض, ربما نجدها في الفيلم التحريكيّ (المشهد الأول, اللقطة الثانية) لمخرجه(Rémi Durin), وفيه يصعد رجلٌ إلى عربة المترو, فيجد بأن الحركة قد توقفت حوله. أليست هذه المفاجأة رغبة ظاهرية, أو ضمنية بتوقف الحياة, الانتحار, أو القضاء على الآخر ؟. وفي فيلم(جولييت) لمخرجته (Nathalie Teirlinck), زوجةٌ شابةٌ على عتبة الحاضر والماضي تتصارع مع ذكريات طفولتها, بينما السيدة (غول) المُهاجرة التركية في فيلم (أغنية عاملة نظافة) لمخرجه (Banu Akesi), تعمل عند الآخرين, وتمضي حياتها بدون بهجة, وبالصدفة, تعثر على شئ ربما يغير من مجرى حياتها, قضيبٌ اصطناعيّ سوف يخلصها من وحدتها, ويمنحها قليلاً من المتعة, بالضبط, كما تفعل صاحبته البلجيكية . وفي فيلم (كوكب البوسنة) لمخرجه (Samir Devedzic), سلمى شابةٌ بوسنيةٌ حامل, وعندما تخرج من بيتها للبحث عن الماء, تصبح حياتها, وحياة جنينها تحت رحمة قناصّ. وفي فيلم (مارغو) لمخرجه (Nicolas Daenens), منذ الموت المبكر لعشيقها, تغوص (مارغو) في جنون يوميّ, وتنزل تدريجياً إلى القاع, حتى اليوم الذي تقرر فيه إعادة بناء نفسها لتجد حرارة الأيام الخوالي. وفي فيلم (أختان) لمخرجه (Emmanuel Jespers), تذهب أختان ليلاً إلى غابةٍ للبحث عن والديهما بالاعتماد على عدسة كاميرا , ومع القلق المُتصاعد يتفجر خلافٌ قديمٌ بينهما, ونعرف بأن (سارة) تكره (أليس) التي استحوذت على مكانها في العائلة. وفي فيلم (الحياة الجنسية لزهرة الأوركيد) لمخرجته (Christelle Berry), مع اقتراب (جاكلين) من عمر الستين, تعيش مرحلةً جديدةً, تبدأ في النظر حولها, وتتساءل عن اختيارات حياتها. ...... وإذا كانت السينما ـ كما يُقال في الكتابات عنها ـ انعكاساً, مرآةً, وتجسيداً للمُجتمع,...فإنّ (ثمرة) الأفلام البلجيكية لعام 2007 لا تعكس أبداً تلك الخصوصية البلجيكية التي حدثني الشاب عنها, ولكنها, على العكس, يحوم معظمها حول الإحباط, المُعاناة, التمزق, الألم, الضياع, الجنون, والانتحار.. ولكن, مع كلّ ما يحدث في العالم من مصائب, وكوارث, وحروب, ألا يمكن لتلك السلسلة من التيمات المُقلقة أن تكون (الهزل) المقصود ؟. أجيال الزيارات: 585
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |