باتت الدراما التلفزيونية السورية غنية عن التعريف. الموضوع، المعالجة، السيناريو، التمثيل، التصوير، الإخراج... على مستوى عالٍ من الحرفية. والثغرات في بعض من مكوّنات العمل هذه، تسدها مهارات و«تداركات» في بعضها الآخر. غدت أعمالاً متقنة... ورائجة، منذ «نهاية رجل شجاع» (1993)، إخراج نجدت أنزور، والقصة للروائي السوري حنا مينة، وما قبل.
عوامل كثيرة أدّت إلى نجاح الدراما التلفزيونية السورية، حتى «الضيعة ضايعة» (2008) لليث حاجو، وما بعد: الإرث الأدبي، المعهد العالي للتمثيل، الحفاظ على الموروث الشعبي الذي توسّعت عملياته في ثمانينات القرن العشرين، جاهزية الممثلين الذي ظلوا يدورون طويلاً في فلك المسرح، واستعدادهم للأداء حتى في الوحول، والنهوض صباحاً من الفراش، من دون ماكياج... وهذه الميزة الأخيرة، ساهمت في اكتساب الدراما السورية قربها وجاذبيتها، ولو أننا لم نعد نرى ممثلات كثيرات، حتى في «باب الحارة» وتناسلاته، لم يخضعن لجراحات تجميل وحشوات الـ«بوتوكس»، بما لا يتماشى مع هيئات النساء في أيام زمان. واللقطات القريبة لوجوه الممثلات «المتحوّلات» تحيل المُشاهد فوراً على الحداثة، بما يتناقض وزمن العمل... وأصبحت منفّرة. ثم أفلتت الدراما السورية من المواضيع السياسية والحسّاسة، أو الممنوع تناولها ربما، حتى في تلفزيونات عربية أخرى، عندما «اجتنبتها» ولاذت بالسياق التاريخي ثم الاجتماعي. وراحت تفتّش عن التمويل «الحَرْزان» (الوفير). وفي الأثناء، نشأت شركات إنتاج محلية، واختلف أصحابها، لتتناسل مزيداً من شركات الإنتاج المحلية. إبان ذلك، تكاثرت الأعمال التاريخية وتكررت، حتى ليخال المرء أنهم لا يجيدون سواها. وكانت تحاذيها أعمال اجتماعية... لم تجرؤ حتى الآن، مثلما جرؤت الدراما التركية. ولعلّ دخول منتجين سوريين على خط «دبلجة» الأعمال التركية، لا يساهم في نشرها في العالم العربي فحسب، بل يعتبرها أيضاً مكمّلاً لما لا تستطيعه الأعمال السورية، وينقذ هذه الأخيرة من الوقوع في مطبّ التكرار. الدراما التلفزيونية السورية في أوج ازدهارها، شرّعت أمام المُشاهدين المشاكل والنماذج الاجتماعية، والقضايا الإنسانية، والتاريخ... والبيوت الشامية القديمة. وجمال تلك البيوت العتيقة، «يحلّي القلب»، على قول عامي يعني أنها لم تعد تطاق لكثرة حلاها. حتى أنها دخلت في الإعلانات. وفي موسم المسلسلات الرمضانية الماضي، كاد المُشاهد يظن أن لا فسحات مع الإعلان، خصوصاً في «أم بي سي»، وإعلانها عن العطور الذي يجمع مشاهد من مجمل المسلسلات، في ديكور مستعار من «باب الحارة»، وينتهي بصوت عميق أجوف. يخشى على الدراما التلفزيونية السورية من التكرار الذي أصاب قرينتها المصرية، في المواضيع ومعالجتها، والممثلين وأدائهم، والمفردات... «إذا كان الإنتاج من ذهب، فلا تلعقه كله»، عن قول عامي. وكيف السبيل إلى تفادي متطلبات الإنتاج والتحصّن ضد أذواق المنتجين النهمة للتكرار حتى قتل الإبداع. قال الممثل السوري سامر المصري، في مقابلة، عن مسلسل «باب الحارة» إنه عمل غير واقعي، فهل يُعتبر «اجتراره» واقعياً؟ الحياة 06/10/2008 الزيارات: 362
|
- يجب أن يكون التعليق على المادة المنشورة فقط - التعليقات تتم مراجعتها من قبل الإدارة قبل الظهور على صفحات الموقع - تلغى التعليقات المسيئة والخارجة عن الأخلاق العامة والمسيئة للأديان السماوية - تهمل التعليقات التي تتضمن محتوى يثير النزاعات الطائفية والعنصرية
|
Powered by AkoComment Tweaked Special Edition v.1.4.6 AkoComment © Copyright 2004 by Arthur Konze - www.mamboportal.com All right reserved |